كيف ظهر الإلحاد في المجتمعات العربية قديماً وحديثاً؟



كيف ظهر الإلحاد في المجتمعات العربية قديما وحديثا؟

كيف ظهر الإلحاد في المجتمعات العربية قديماً وحديثاً؟

الدنيا كما يعتقد المسلم دارُ ممر ومعبر للآخرة، وهي مكان صراع بين الحق والباطل، وكذلك أرادها الله عز وجل ليميز الخبيث من الطيب.

ولمّا شاء الله عز وجل أن يختم النبوة والرسالة جعل خاتم الأنبياء والمرسلين هو أكملهم وأفضلهم، وجعل دينه كاملاً حتى يستغني به الخلق عن الأديان وتكفيهم شريعته عن كل الشرائع.

وهذه الفضيلة العظمى التي يُقرّ بها كل منصف عرف الإسلام وتعرّف على سيرة النبي صلى الله عليه وسلم قديماً وحديثاً، ومع ذلك لم تكن كافية ليُسلم الناس جميعاً إذ اقتضت مشيئة الله أن يستمر الصراع بين الحق والباطل مع بيان أدلة الحق وظهورها.

ومن هنا نفهم العداوة التي خاضها أعداء الإسلام له منذ يومه الأول وما زالت حتى اليوم.

والإلحاد الذي تُعاني منه المجتمعات المسلمة إحدى إفرازات هذه العداوة المستمرة والتي عُرفت أول ما عُرفت في أزهى فترات الحضارة الإسلامية وبعدما تمددت دولة الإسلام من الصين شرقاً إلى المغرب غرباً حيث ظهرت الشعوبية الحاقدة التي كانت معول هدم لأصول الإسلام حيث قامت بنشر الزندقة في حواضر الإسلام، وروجت لعقائد الهند من تناسخ الأرواح والحلول والاتحاد ووحدة الوجود كما في حركات التصوّف، وللفلسفة والمنطق في الحركة العلمية والترجمة، كما روجت المجون والتحلل الأخلاقي في السلوك والأدب وهذا واضح عند عصابة المجان وكنموذج أبي نواس.

وقد كان لتغلغل الشعوبية في بعض الحكومات أثر في ذلك يلحظه من يدرس التاريخ.
كل تلك الانحرافات السلوكية والعقدية تعارف المسلمون على تسميتها في عصور الإسلام المتقدمة بالزندقة إذ شمل ذلك الوصف كل صاحب بدعة اعتقادية وكل ملحد.

ولم يكن الملاحدة الأوائل أو الزنادقة في المجتمعات المسلمة الأولى ينكرون الخالق.  ولم يُعرف أحد منهم بذلك ويترك آثاراً وكتباً تصرح بذلك سوى ما كان من الزنديق ابن الراوندي الذي كان يكتب لمن يدفع أكثر ولذا كتب للشيعة يطعن في السنة وكتب للسنة يطعن في الشيعة وكتب لليهود يطعن في الإسلام فليس له مذهب فكري ثابت وإنما كان يكتب لمن يدفع وسخر ذكاءه لذلك. ومع ذلك فلم أجد له نصوصا صريحة في إنكار الخالق.

♦ الإلحاد عند العرب حديثاً: لابد من التفريق بين نمط الإلحاد في المجتمع الإسلامي قديماً وحديثاً. ففي القديم لم يعرف العرب والمسلمون الإلحاد بشكله المعاصر بل كان من يُطلق عليهم الملاحدة أو الزنادقة غالباً ممن لا ينكر وجود الإله.

وقد عرف العرب مذهب الدهرية قبل الإسلام وهم الذين قال الله فيهم: ﴿ وَقَالُوا مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ ﴾ [الجاثية: 24].

والدهرية هي أصل كل مذاهب الإلحاد والمادية التي عرفها التاريخ، ويمكن اعتبار الفلسفة الوضعية الحديثة أحدث صور الدهرية القديمة.

أما فيما يتعلق بالعصر الحديث فإننا نلحظ بوضوح أثر البعثات التي أرسلها محمد علي باشا وأبناؤه من بعده إلى أوروبا والذين كانوا من أوائل من اطلّع على فلسفات التنوير وما تبعها من أفكار مادية كالماركسية والدارونية والفرويدية ونقلوها فيما بعد.

وقد كان لنجاح الثورة الروسية أثر كبير في تعزيز تلك المفاهيم والأفكار المادية الإلحادية التي ألقت بظلالها على كثير من المسلمين في القرن السابق.

ومع ذلك لم يُعرف من جاهر بالإلحاد صراحة في تلك الفترة المبكرة من نهضة العالم العربي الحديثة إلا شخصين هما د. إسماعيل أدهم حيث ألّف كتاباً بعنوان لماذا أنا مُلحد؟
وقد مات بعدها منتحراً وهو شاب لم يبلغ الثلاثين.

والآخر هو عبد الله القصيمي الذي كان مدافعاً شرساً عن السلفية، ثم انقلب على عقبيه ضدها ليتحول ملحدا صريحا وداعية إلى الإلحاد حتى صار بمثابة الأب الروحي للملاحدة العرب.

وكلا الاثنين لم يكونا مستقرين نفسياً فالأول مات منتحرا في شبابه، والثاني شكّاك مندفع حاد الفكر يتصف بالكبر والغرور ومن شعره الذي يصف نزقه وكبره:
ولو أن ما عندي من العلم والفضل ♦♦♦ يُقسّم في الآفاق أغنى عن الرسل

وقد سار أمر الإلحاد بين العرب ضعيفا يمشي الهوينى ولم يتمكن في المجتمعات ومع ضعف وقلة من يعتنقه فقد كانوا أفرادا قلائل ولا يجهرون بذلك إلا بشكل نادر ومن طرف خفي..

ثم جاءت بعد ذلك العولمة بقضّها وقضيضها عبر الشركات العابرة للقارات ومفاهيم الدعاية والإعلان كخدمة للرأسمالية والقنوات الفضائية والانترنت ووسائل التواصل الاجتماعي ليكون لها أثر بارز في تشكيل ملامح الحياة الجديدة، والتي يفرض فيها التحلل الأخلاقي والفردانية والعلمانية حتى تشكل نمطاً للسلوك المقبول ليكون متوافقاً مع رغبة الأقوى.

وظهر أن المد الإلحادي الجديد في بلاد العرب والمسلمين لا يمكن فصله عن المد الإلحادي في الغرب الذي صاحب العولمة وكان أحد أهم إفرازات الفكر المادي، ومما عزز ذلك في المجتمعات العربية ضعف الخطاب الديني التقليدي وعدم مزامنته للصراع الحضاري مما جعله في جزء كبير منه يعجز عن رد هجمات الملاحدة وشبهاتهم الفلسفية والأفكار العلمية التي يستندون عليها. كما أسهم في ذلك بشكل كبير ضعف بلاد العرب الحضاري والعلمي.

♦ الإلحاد بين شبابنا: لا توجد إحصائيات يمكن الاعتماد عليها في معرفة مدى انتشار الإلحاد، لكن مع ذلك يمكن أن تعرف أنه موجود من خلال الكثير من الأفكار التي يطرحها الشباب.

ويلاحظ المراقب لحالة الشباب نوعاً من التمرّد ضد القيم والمبادئ الدينية تتوسع يوماً بعد يوم، ومن أهم أسبابها الانفتاح المعرفي الهائل الذي خلق حالة من وهم الثقافة حيث يتلقى كثير من الشباب معرفة أفقية سطحية ويحصّل عن طريق مواقع التواصل الاجتماعي جرعات معلوماتية مخففة ومبعثرة تخلق مع الوقت حالة من الانتفاخ المعرفي الخاوي!!

هذا الوهم المعرفي من الشباب زهدهم في الخطاب الشرعي المحلي ورأوا أنهم فوقه وأنهم قد تجاوزوه.

وهذا الإعجاب بالنفس والثقة المطلقة في الآراء الذاتية مع الزهد في كل ما هو محلي مع غلبة العولمة وإفرازاتها الفكرية جعل كثيراً من الأفكار السائدة في الغرب تنتشر بين أبناء المسلمين ورافق ذلك عدداً من العوامل المهمة ذكرتها في "صراع الهوية لدى الشباب". وهناك ملاحظة يجدر بالمتابع للمد الإلحادي الحديث والقديم في بلاد العرب أن ينتبه له وهو ارتباط ذلك بالظروف الاجتماعية المختلفة (العلمية - الدينية - الاقتصادية - السياسية) ففي كلتا الفترتين يمكن أن تلحظ:
♦ ضعف الخطاب الديني.
♦ انتشار أفكار وعقائد من خارج بنية المجتمع.
♦ تباين كبير في الحالة الاقتصادية بين أفراد المجتمعات.
♦ ضعف القيادات السياسية وكثرة النزاعات.
♦ ظهور أنماط سلوكية مترفة.

وتوفر الرفاهية التي نعيشها اليوم مع العوامل الأخرى له أثر كبير في سلوك المجتمعات وخاصة في الجانب الفكري والاعتقادي وهو ما عبر عنه عبدالرحمن بدوي بقوله:
(عندما تصل الحضارة إلى طور الرفاهية، فإن بعض النفوس تكون قد استنفدت تطلعاتها وإمكانياتها الدينية واشتاقت إلى مزيد من المتع الحسية).

وقد تناولت هذا العامل بنوع التفصيل في كتاب قصة الترف.

                                                                 
كتبه
خالد بن محمد الشهري
مستشار نفسي وتربوي
وأخصائي تقويم التعليم
المراجع:
1- كيف تحاور ملحداً - أمين خربوعي.
2- الإلحاد مشكلة نفسية - د. عمرو شريف.
3- مليشيا الإلحاد - عبدالله العجيري.
4- ميديا الإلحاد - أحمد حسن.


رابط الموضوع: http://www.alukah.net/sharia/0/124661/#ixzz54htGOItj
أكمل القراءه

الإلحاد: تعريفه وأشكاله ونشأته

الإلحاد: تعريفه وأشكاله ونشأته


الإلحاد: تعريفه وأشكاله ونشأته


• الإلحاد لغة: هو الميل عن القصد، والعدول عن الشيء، ومصدره لحد، واللحد هو الشّقُ في جانب القبر.
فالإلحاد لغة يراد به كل من مال عن القصد والحقّ.
وأطلقت العرب صفة الإلحاد على أيّ أحد أظهر بدعةً وإن كان مؤمناً بالله وبنبيه.
وإطلاقها على الكفار والزنادقة أشهر وإن كانوا على أديان أو مذاهب أخرى.

• الإلحاد اصطلاحاً: هو مذهب فكري ينفي وجود خالق الكون، واشتقت التسمية من اللغة الإغريقية (أثيوس atheos ) وتعني بدون إله.
ومن هنا ظهرت التفرقة بين مصطلح الإلحاد وبين الربوبي واللاأدري.

وبناءً على تلك الفروق ظهرت العديد من المصطلحات -في الفكر الإلحادي- الكاشفة لعقيدة صاحبها بشكل أكثر دقة، مثل:
الملحد: هو المنكر للدين ولوجود الإله.

اللاديني: وهو الاسم الذي يفضله كثير من الملاحدة مع أن لفظ اللاديني يعني من لا يؤمن بدين وليس بالضرورة أن يكون منكراً للإله.

ضد الدين Antitheist: هو الملحد الذي يتخذ موقفاً عدائياً من الإله والدين والمتدينين.

الربوي Diest: هو الذي يؤمن بأن الإله قد خلق الكون، ولكنه ينكر أن يكون قد تواصل مع البشر عن طريق الديانات.

اللاأدري Agnostic: هو الذي يؤمن بأن قضايا الألوهية والغيب لا يمكن إثباتها وإقامة الحجة عليها كما لا يمكن نفيها، باعتبارها فوق قدرة العقل على الإدراك.

المتشكك Skeptic: هو الذي يرى أن براهين الألوهية لا تكفي لإقناعه، وفي نفس الوقت لا يمكن تجاهلها.

العلماني Secularist: العلمانية هي دعوة إلى إقامة الحياة على العلم المادي والعقل ومراعاة المصلحة بعيداً عن الدين، وهو اصطلاح سياسي لا علاقة له بعقيدة الفرد الدينية ولا ك أن كثيراً من العلمانيين ملاحدة أو لا دينيين خصوصاً في بلاد الغرب.

• أشكال الإلحاد:
تختلف أشكال الإلحاد وألوانه بحسب الدراسات والبحوث التي تناولته، وهنا سأنقل بعض ما اطلعت عليه وأسردها دون ترتيب، والملاحظ أن بعضها يشمل البعض وطبيعي أن تتداخل كثير منها لاشتراكها في دوافعها وبواعث ظهورها:
1- الإلحاد الفلسفي: وهو منتشر بين الطلبة في كليات الآداب والعلوم الإنسانية.

2- الإلحاد العلمي: وهو الإلحاد الممجد للعلم والمرتكز على نظرية دارون.

3- الفكر الإلحادي القوي: وأصحابه يُعرفون بالملاحدة الأصوليون. وهم الذين يُنكرون وجود الإله ويسوقون الأدلة على ذلك ويروجون لفكرهم ويهاجمون الدين والمتدينين ويسبونهم.

4- الفكر الإلحادي الضعيف: وأصحابه لم يجدوا أدلة كافية تقنعهم بوجود الإله، لكنهم لا ينشرون أفكارهم، ولا يعيرون الأمر اهتماماً كفياً.

5- الإلحاد المطلق: وهو إنكار الألوهية وما يتفرّع عنها من الرسل والرسالات.

6- الإلحاد الجزئي: وهو الاعتراف بوجود إله خالق مع إنكار تصرّفه وسيطرته على البشر.

7- اللاقدرية والعدمية: وهي اليأس من عدالة الأرض والسماء والشعور باللاجدوى.

8- الإلحاد العابر: في مرحلة من مراحل العمر وخاصة المراهقة و الشباب .

9- الإلحاد الباحث عن اليقين.

10- الإلحاد الانتقامي: الموجّه ضد رمز أو رموز أو ممارسات دينية مكروهة أو مرفوضة.

11- الإلحاد التمردي: من خلال التمرد على السلطة أيّاً كان نوعها.

12- الشيوعيون: الذين يريدون تحويل المجتمعات إلى مستعمرات كادحة ولن يمكن تحقيق ذلك في وجود المعتقدات الدينية ولذا يحاربون الدين للقضاء عليه ولو بالقوة.

13- الهاربين من الدين: وجدوا في الإلحاد هروباً من قيود الدين أو إثباتاً لذواتهم أو تحقيقاً لمصالح أخرى.

14- الشكاكين: هم فئة شكاكين في كل شيء وكثيرون منهم يلتزمون الصمت، ولا يطرحون شكهم للنقاش.

• تاريخ الإلحاد القديم: الإلحاد من حيث هو إنكار لوجود الإله وكل ما يتعلّق بذلك من خلق وإيجاد رسالات وحساب وجزاء لا يعرف له وجود تاريخياً.

وإن وجدت بعض الإشارات التاريخية فهي لحالات معدودة ونادرة ويعجز التاريخ المكتوب والمروي عن تزويدنا بأول ملحد.

وأول الملاحدة الذين عُرفوا وسُجلت عنهم آراء أو كتابات إلحادية كانوا في اليونان وهم:
دياغوراس من ميلوس 415-465 ميلادية.
كريستياس 403-460 ميلادية.
ديوجين الكلبي 412 ميلادية.
ثيودور الملحد 320 ميلادية.
هؤلاء هم من نُقلت عنهم عبارات أو تواليف تنفي صراحة وجود الخالق.

وغير هؤلاء ممن يذكرهم الملحدون المعاصرون ويتكثرون بهم فإنهم لا تنطبق عليهم صفات الملاحدة، وأكثرهم يمكن أن تطلق عليهم وصف لادينين لكنهم يقرّون بوجود خالق للكون.

• تاريخ الإلحاد الحديث: حتى خمسمائة عام مضت كان المصدر الأساسي للمعرفة في أوروبا هو الكتاب المقدّس بعهديه القديم والجديد، كما تبنّى رجال الكنيسة الكاثولوكية آراء أرسطو وبطليموس العلمية حول الكون وكوكب الأرض والفيزياء والكيمياء والتاريخ الطبيعي وألحقوها بمفاهيمهم المقدسة، حتى غدا أرسطو مقدّساً عندهم وكأنه من رجال الكنيسة الأوائل.

وبعد ظهور آراء كوبرنيكوس بحساباته الرياضية لدوران الأفلاك وتأكيد جاليليو ذلك بتليسكوبه، وما تبع ذلك عند اكتشاف الميكرو سكوب الذي تم من خلاله رؤية الجراثيم التي تسبب الأمراض وما نتج عن ذلك من إنعدام أهمية القسيسين في علاجها بصلواتهم، حيث يغني عن ذلك الدواء مما قلل من أهميتهم وأضعف الكنيسة.

وظهرت بعد ذلك نتائج عملية مهمة لمكتشفات نيوتن الذي وضع قوانين الحركة الثلاثة وقانون الجاذبية وما تلا ذلك من إضافات لابلاس لها.

نتج عن كل ذلك انهدام لجميع القواعد العلمية التي آمنت بها الكنيسة وأجبرت الناس على الإيمان بها وتصديقها وأضفت عليها صفة القداسة طوال قرون.

وتسببت تلك الاكتشافات في صراع بين العلم ورجاله من جهة وبين الكنيسة ورجالها من جهة أخرى. وكان للثورة العلمية في أوروبا أثر مدمر للكنيسة إذ أعقبتها مباشرة نزعة شكية إلحادية كبرى، مازالت تتضرم حتى اليوم.

وكانت ردود أفعال رجال الكنيسة واستبدادهم وسلوكهم الاضطهادي ضد مخالفيهم سبباً في حدوث ردة فعل نفسية شديدة لدى العلماء مما انعكس على سلوكهم وعلى سلوك عامة الناس أيضاً.

وألقت هذه الأزمة بظلالها على المفكرين والعلماء حتى قادت الناس في أوروبا في القرن السابع عشر إلى ما عرف بحركة التنوير وزاد الشقاق حتى غرق الأوروبيون في القرن الثامن عشر إلى مستنقع الشك الكامل في كل موروثهم الاعتقادي والعلمي الذي كانت تشرف عليه الكنيسة وتجبر الناس على الامتثال الكامل له.

وتوالى هذا الصراع على أشدّه حتى انحسر دور الكنيسة وتراجعت إلى الزوايا البعيدة وخاصة بعد الثورة الفرنسية.

ثم بدخول القرن العشرين كان الأوروبيون مستعدين لأمثال مقولة" الدين أفيون الشعوب" التي كان لها وللعقيدة الماركسية أثر كبير في رسم مسار التاريخ الأوروبي الحديث.

وجاء سؤال نيتشه: هل مات الإله؟ ليحتل مركز الصدارة في الفكر الأوروبي، وليتحول من مجرد رأي لفيلسوف حتى يصبح عنواناً يتكرر في الصحف اليومية بشكل مستمر. وكان ذلك متوافقا مع النفسية المتشككة والرافضة لكل ما ورثته عن الكنسية حتى أصبحت وكأنها ستقبل بأية فكرة لمجرد معارضتها لأفكار ومعتقدات الكنيسة التي ذاق الأوروبيون منها ومن استبدادها الأمرين طوال القرون الماضية.

• الفرق بين الإلحاد الغربي والإلحاد العربي: يفرّق بعض الباحثين بين الإلحاد في نمطه الغربي وبين نمطه العربي، حيث أن الملاحدة في النمط الغربي هم من المنكرين لوجود الخالق سبحانه وتعالى.

بينما الملاحدة في السياق العربي والإسلامي بشكل عام يسجل التاريخ أن كثيرا ممن أتهم بالإلحاد ليس منكراً لوجود الخالق سبحانه وتعالى، لكن أكثرهم لديه تخبطات عقدية كبرى، مثل إنكار النبوة أو القول بالاتحاد، يقول عبد الرحمن بدوي:(إذا كان الإلحاد الغربي بنزعته الديناميكية هو ذلك الذي عبّر عنه نيتشه حين قال" لقد مات الله" وإذا كان الإلحاد اليوناني هو الذي يقول:" إن الآلهة المقيمين في المكان المقدس قد ماتت" فإن الإلحاد العربي هو الذي يقول: "لقد ماتت فكرة النبوة والأنبياء").

ومن هنا فإن فكرة إنكار وجود الخالق سبحانه وتعالى في نمط الإلحاد العربي المعاصر هي فكرة طارئة عليه وليست قديمة كما هي في نمط الإلحاد الغربي.

وسيأتي عند ذكر الأسباب بيان العوامل التي أسهمت في هذا التطور لنمط الإلحاد العربي الحديث.

وخلاصة ما يقدمه الملاحدة في جميع أنماطهم هو أن الإنسان لا يساوي شيئاً في هذا الوجود العبثي الذي جاء صدفة وسينتهي صدفة ولا قيمة تذكر له لا في لحظة ميلاده ولا بعد مماته، وإنما هو مجموعة من الذرات المادية التي اجتمعت بغير سبب والتي غداً ستفترق لا أدنى مغزى ولا معنى في الحياة!!




                                                             كتبه
                                              خالد بن محمد الشهري
                                              مستشار نفسي وتربوي
                                               وأخصائي تقويم التعليم

المراجع:
1- كيف تحاور ملحداً - أمين خربوعي.
2- الإلحاد مشكلة نفسية - د. عمرو شريف.
3- مليشيا الإلحاد - عبدالله العجيري.
4- ميديا الإلحاد - أحمد حسن.


رابط الموضوع: http://www.alukah.net/sharia/0/124635/#ixzz54hsQfXTb
أكمل القراءه

إثارة دافعية الطلاب



إثارة دافعية الطلاب



إثارة دافعية الطلاب[1]


يبدو بعض الطلاب متحمساً بصورة طبيعية للتعلم، ولكن العديد منهم يحتاجون - أو يتوقعون - من معلميهم أن ينفخوا فيهم الروح، ويتحدونهم ويثيرونهم ولا توجد وصفة سحرية فريدة لإثارة دافعية الطلاب. لكن هناك عدد من العوامل التي تؤثر في إثارة دافعية الطلاب للعمل والتعلم.

ومع أنه ليس كل الطلاب تثار دافعيتهم بنفس المستوى لأن الحاجات والرغبات تختلف، إلا أنك ستجد أن بعض طلابك يتم استثارة دافعيتهم عن طريق الاستحسان من الآخرين، وبعضهم عن طريق التغلب على التحديات.

وهنا عدة نقاط تساعدك كمعلم في استثارة دافعية طلابك نحو التعلم وتختلف قوتها بحسب مستوى المعلم وتجانس الطلاب والمرحلة العمرية والمادة الدراسية ويحتاج المعلم الجديد في الخدمة أو في بداية العام الدراسي لاكتشاف أو إعادة اكتشاف أفضل هذه الوسائل والطرق لاستثارة دافعية طلابه أو زيادتها نحو التعلم.

وكلما زاد اهتمام الطلاب بمحتوى الموضوع، وكانوا أكثر إدراكًا لفائدته، ووجدت لديهم الرغبة العامة في الإنجاز، ووجدت الثقة بالنفس وتقدير الذات، بالإضافة إلى الصبر والمثابرة كلما كان ذلك أقوى لدافعيتهم نحو التعلم.

وحتى نشجع الطلاب ليصبحوا متعلمين استقلاليين لديهم دافعية ذاتية، يمكن أن يقوم المعلمون بما يلي:
• أن يعطوا تغذية راجعة مألوفة ومبكرة وإيجابية تساعد الطلاب على الاعتقاد بأنهم يستطيعون العمل بصورة جيدة.
• أن يضمنوا وجود فرص لنجاح الطلاب عن طريق تخصيص مهمات ليست بالسهلة جداً أو الصعبة جداً.
• أن يساعدوا الطلاب على إيجاد معنى، وقيمة شخصية في المادة.
• أن يخلقوا مناخاً مفتوحاً وإيجابياً.
• أن يساعدوا الطلاب على الشعور بأنهم أعضاء ذوي قيمة في المجتمع التعلُّمي.

ويمكن للمعلم لزيادة الدافعية لدى طلابه:
• أن يستفيد من وجود حاجات للطلاب تتناسب مع المادة التي يقدمها لهم ليوظف تلك الحاجات في زيادة دافعيتهم.
• كما أن جعل الطلاب مشاركين فعالين في التعلم سيزيد بشكل ملحوظ من دافعيتهم للتعلم
• كما يمكن للمعلم أن يطلب من الطلاب أن يحللوا ما يجعل صفوفهم أكثر أو أقل دافعية ويستفيد من رأيهم في بناء خطته لزيادة دافعيتهم.

وفي بعض الدراسات التي أجريت على مجموعة من المواد الدراسية وجد أن هنالك ثمانية مميزات بعينها تبرز باعتبارها تشارك بصفة رئيسة في زيادة دافعية الطلاب وهي:
• حماس المعلم.
• مناسبة المادة.
• تنظيم المساق الدراسي.
• المستوى المناسب لصعوبة المادة.
• المشاركة الإيجابية للطلاب.
• التنوع.
• الألفة بين المعلم والطلاب.
• استخدام الأمثلة المناسبة والواقعية التي يمكن فهمها.
ويمكن للمعلم أن يستفيد من تلك كأداة يبني عليها خطته لزيادة دافعية طلابه.

ومن الأمور المهمة التي ينبغي للمعلم أن يعتني بها في زيادة الدافعية:
1- أن يحتفظ بتوقعات عالية ولكن واقعية لطلابه.
2- أن يساعد الطلاب في وضع أهداف العمل لأنفسهم.
3- أن يخبر الطلاب عما يحتاجونه للنجاح في مادتهم الدراسية.

4- أن يعزز الدافعية الذاتية للطلاب وأن يلغِي الرسائل التي تعزز قوته كمعلم، أو تلك التي تؤكد على المكافآت الخارجية لأن هذا سيجعلهم ينقلون محور التركيز إلى أدائهم هم.

5- يجب أن يلغِي المعلم الشعور بالتنافس بين الطلاب: لأن التنافس ينتج عنه القلق الذي يتعارض مع التعلم. وكلما قلّل المعلم من ميول الطلاب لمقارنة أنفسهم بالآخرين كلما ساعد ذلك في زيادة دافعيتهم للتعلم.

6- كن متحمساً لموضوعك: لأن حماس المعلم عامل حاسم في دافعية الطلاب. إذا أصبحت متبرماً أو فاتراً، فإن طلابك سيكونون كذلك أيضاً. وبصورة نموذجية، فإن حماس المعلم يأتي من الثقة وبدورها ستنعكس على ثقة طلابك بأنفسهم.

7- اعمل ابتداءً من نقاط القوة لدى الطلاب واهتماماتهم وليس اهتماماتك أنت.
8- اجعل للطلاب رأياً في اختيار بعض ما يُدرَس حتى لو كان ذلك مواعيد الاختبار أو الأنشطة.

9- أعطِ الطلاب فرصاً للنجاح في بداية الفصل الدراسي، فإن شعورهم بالإنجاز والنجاح في البداية سيزيد من دافعيتهم، ثم يمكنك أن تزيد بالتدريج من مستوى الصعوبة.

10- شدِّد على التفوق والتعلم أكثر من الدرجات، وأعلم إن إتقانهم لطريقة أداء المهمات بشكل صحيح أهم من صحة الإجابة.

11- صمِّم اختبارات تشجع على نوع من التعلم تريد من الطلاب أن ينجزوه، فإذا كنت تريد منهم الاستنتاج والتحليل فصمم الاختبار ليقودهم إلى هذه الطريقة.

12- قلل من استخدام الدرجات كتهديد لأن ذلك قد يجعل البعض يجتهدون أحيانا، لكنه سيجعل البعض منهم يعمدون إلى الغش.

13- أعطِ الطلاب تغذية راجعة بأسرع ما يمكن: أعِد الاختبارات والأوراق فوراً، وكلما تأخرت التغذية الراجعة عن الاختبار أو المهمة والنشاط كلما فقدت قيمتها في عملية التعلم وضعف أثرها في تعزيز الدافعية.

14- كافئ على النجاح: واستخدم التعليقات الإيجابية التي تؤثر في الدافعية، وتذكر أن المديح يبني ثقة الطلاب بأنفسهم.

15- أطلِع الطلاب على العمل الجيد الذي قام به أقرانهم وهذا له دور في تعزيز الدافعية وفي تفعيل تعلم الأقران.

16- كن دقيقاً جدا عند إعطاء تغذية راجعة سلبية: التغذية الراجعة السلبية قوية جداً واحرص على أن تجعلها موجهة نحو الإنجاز وليس نحو الشخص.

17- تجنب التعليقات الغامضة: كثير من الطلاب في فصلك يمكن أن يكونوا قلقين حول إنجازهم وقدراتهم. كن رقيقاً في كيفية صوغ تعليقاتك، وقلل من الملاحظات الفورية التي من الممكن أن تجرح مشاعرهم.

18- قلل من تقديم حلول للطلاب لمشكلات النشاط البيتي من أجل إسعادهم: عندما لأنك عندما تعطي الطلاب بطيئي التحصيل الحل، فإنك تسلبهم فرصة التفكير لوحدهم وهذا يضعف دافعيتهم نحو التعلم ويزيد من السلوك الاعتمادي لديهم.

19- تقبل وجود بعض الطلاب الذين لا يحبون مادتك وقد تسمع منهم تعليقات محبطة وتعامل معه على أنه سلوك طبيعي ومعتاد بين الطلاب وليس موجها لشخصك.

20- تذكر أن لدى طلابك موادا أخرى ومهام وواجبات أخرى كثيرة وهذا يجعلك تقدر ظروفهم والصعاب التي يمرون بها وحين تستثمر هذا بشكل جيد فسيساعدك على حفزهم للاهتمام بمادتك.



                                                          كتبه
                                              خالد بن محمد الشهري
                                              مستشار نفسي وتربوي
                                               وأخصائي تقويم التعليم



[1] بتصرف عن: إثارة دافعية الطلاب لبربارا جروس ديفيز/ ترجمة عطية العمري.

أكمل القراءه

في التعليم الحلول البسيطة تفرق




في التعليم الحلول البسيطة تفرق

العامل في ميدان التعليم يواجه عددا من المشكلات وهذه إحدى طبائع السلوك البشري ومن صفات الحياة بشكل عام وبعض هذه المشكلات قد تربك مؤسسات التعليم بشكل يستنفذ طاقة العاملين ومواردهم.
وهنا يأتي دور القيادة فإذا كان على رأس المؤسسة التعليمية قائد فإنه سيبحث عن حلول أفضل تساعد مؤسسته أو مدرسته على تجاوز مشكلاتها ..
وإن كان مديرا فسيلتزم بالنظام بشكل حرفي مهما تعقدت المشكلة ومهما جرت من مشكلات أخر إضافية!!
وأسوأ منهما أي القائد والمدير أن يكون مجرد مراقب وجل همه أن يبحث عن من يرتكب خطأ ليوقع عليه عقوبة نظامية ، مع أن ذلك المخالف للنظام خالف بسبب عدم توفر الاشتراطات التي ينص عليها النظام !!
لكن سلوك المراقب مهووس بإيقاع العقوبة فقط ولا يعنيه أسبابها ولا غير ذلك مما يحتاج إلى إعمال فكر أو فهم لأهداف المدرسة أو المؤسسة التعليمية التي من أجلها وجدت وأنشأت ، إنه أشبه بكاميرا ساهر لاترى عدستها سوى المخالفة فقط..
وللتذكير بأهمية إعادة التفكير في الأخطاء والمشكلات التي تحدث في المدارس والبحث عن طرق إبداعية لعلاجها ألفت إنتباه المدير والمراقب لبعض الحلول البسيطة والصغيرة التي أحدثت فرقا كبيرا في ميادين التعليم..
فمن ذلك على المستوى التنظيمي مثلا كان انتقال الطلاب من مرحلة إلى أخرى مزعجا ومربكا فلابد حضور ولي أمر الطالب لاستلام ملفه والذهاب به للتسجيل في مدرسة للمرحلة التي انتقل لها إبنه وكانت نهاية العام وبدايته أشبه بالمآساة لكثرة المراجعين والفوضى وعدم انضباط التسجيل وشيوع الواسطة في المدارس ، حتى ظهر حل إبداعي بسيط وغير مكلف وهو انتقال ملفات الطلاب بشكل آلي لأقرب مدرسة إلى مدرسته التي أنهى مرحلتها ، وتنفست إدارات المدارس الصعداء.
ومن ذلك أيضا مشكلة توزيع الكتب على الطلاب كانت تشكل مأساة في بداية العام وتستغرق أكثر من أسبوع لأن كل مادة كانت تأتي وحدها وتحتاج إلى تصنيف وتوزيع للنسخ ثم تجميعها لتوزيعها على الطلاب ، حتى جاء حل إبداعي بسيط وغير مكلف وهو أن تأتي مجموعة لكل طالب على حدة وأصبح توزيعها في اليوم الأول ممكنا وسهلا.
ومن المشكلات التي واجهت المدارس المشتركة في مبنى واحد لأكثر من مرحلة ما يحدث من تنمر وإعتداء من الطلاب الكبار على الصغار فقامت المدارس بجعل فسحة كل مرحلة مختلفة في التوقيت فإنخفضت المشكلات بشكل كبير جدا.
وعلى سبيل المثال داخل الفصل الواحد كان المعلم يشتكي من عدم مشاركة الطلاب في الحصة ولما درب على بعض الاستراتيجيات البسيطة مثل أعواد المثلجات تغيرت استجابة الطلاب لأنهم أصبحوا جميعا يتوقعون مفاجأتهم بالمشاركة .. وغيرها كثير من الاستراتيجيات التي تغير سلوك الطلاب داخل الفصل..
ومن الحلول الإبداعية التي يعرفها قادة المدارس في التعامل مع بعض الطلبة المشاكسين والمتنمرين تكليفهم بجماعة النظام فيحولونهم من أعداء لأنظمة المدرسة إلى شركاء في تفعيل النظام المدرسي ..
وعلى مستوى مكاتب التعليم قامت بعض القيادات الفاعلة في عقد شراكات مع مؤسسات المجتمع ومع بعض الشركات للمساهمة في تطوير المدارس أو حل بعض المشكلات التي قد تواجههم وكمثال على ذلك التعاون مكافحة المخدرات في عملية التوعية بأضرارها..
نتيجة بحث الصور عن حلولالمهم في كل ماذكرته سابقا التأكيد على أنه ليس بالضرورة البحث عن حلول مكلفة ولا مؤسسات استشارية متخصصة لعلاج المشكلات التي نواجهها في مدارسنا وفي مؤسساتنا التعليمية بل قد يكون الحل في تغيير صغير وبسيط لكنه يحدث فارقا كبيرا في الحل..
فهل ستعمل وزارة التعليم على البحث عن حلول إبداعية ودعمها وإن كانت بسيطة ، أم أنها تفضل الالتزام بحرفية النظام وتحويل إداراتها إلى مجرد كاميرات ساهر؟!




               كتبه 
خالد بن محمد الشهري
مستشار نفسي وتربوي
وأخصائي تقويم التعليم
1439/1/28هـ
أكمل القراءه

لغة الجسد الافتراضيَّة كيف نوظفها؟

لغة الجسد الافتراضية كيف نوظفها؟


لغة الجسد الافتراضيَّة كيف نوظفها؟


التَّواصلُ بين النَّاس هو إحدى أعظم نعم الله عز وجل عليهم، وكلما كانت لغتُهم أرقى، كان تواصلُهم أسهلَ وأيسرَ، وكلما كانت المعاني أدقَّ وأكثرَ توافقًا بين طرفي التواصل (المرسل والمستقبل)، كانت الرسالةُ بينهما أسرعَ وصولًا، وأقربَ لتحقيقِ الهدف منها.
وأهمُّ أنواعِ التواصلِ بين الناس هو ما يتمُّ من خلال اللقاءِ المباشر؛ ولهذا كان الناس قديمًا يهتمُّون بوسائل التأثير، ويتعلَّمون ما يتعلق بلغة الجسد فيها، وتختلف تفاصيلُ تلك اللغةِ باختلاف المجتمعات واللغات.

وحديثًا تعد دراسة مهربيان من أشهر الدراسات حول لغة الجسد، التي قسَّمَت التأثيرَ وفقَ النسبِ التالية:
٩٣٪‏ من مضمون التواصلِ المباشرِ وجهًا لوجه، يتم نقلها من خلال السلوكيَّات غير اللفظيَّة، فيكون ٥٥٪‏ منها من خلال تعبيرات الوجه ولغة الجسد، و٣٨٪‏ منها من خلال نبراتِ الصوتِ ونغماته، ويتبقَّى ٧٪‏ فقط هي ما تؤديه الكلمات نفسها التي ننطق بها.

وهذا ينطبق على التواصل المباشر، لكنَّ الواقعَ الآن أن هنالك تواصلًا افتراضيًّا نمارسُه عبرَ وسائل التواصل الاجتماعيِّ أصبح أكثر انتشارًا من التواصل المباشر، فمع ثورة المعلومات الإلكترونيَّة، وسهولة التواصل الإلكترونيِّ، ووفرة الأجهزة الإلكترونيَّة - أصبح هذا التواصل الافتراضيُّ أكثرَ حضورًا في حياتنا اليوميَّة؛ حتى إن بعض الأشخاص يتواصلون إلكترونيًّا أكثر من تواصلهم المباشر رغم كونهم بجوار بعضهم بعضًا في الغرفة أو المكتب، وأصبح التواصلُ في أحيانٍ كثيرة بين الآباء مع أبنائهم، والأزواج فيما بينهم - إلكترونيًّا بشكلٍ يوميٍّ!

وقد حدث ذلك بشكل متسارع خلال السنوات الماضية؛ حتى أصبح جزءًا ظاهرًا في كل المجتمعات، يستوي في ذلك الشرق والغرب، والغني والفقير.
وهذه التغيُّراتُ الاجتماعيَّة الناتجةُ عن الوسائل الإلكترونيَّة - أحدثت تغيُّراتٍ سلوكيَّةً في عمليَّة التواصل؛ مما نتجَ عنها تعطيلٌ للغة الجسد؛ كون التواصل يتم عبر أجهزة برسائل نصيَّة، نعم... قد يتم استخدام لغة الجسد في التواصل المرئيِّ "الفيديو"، لكنه بدرجة أقل كثيرًا من التواصل المباشر؛ وذلك نظرًا لبطء اتصالِ الفيديو، وعدم توافره في بعض الأحيان؛ مما أدى للاعتماد على التواصلِ النصِّيِّ "الشات"، وقد بدأت هذه العمليَّة أولًا في البريد الإلكتروني ورسائل sms، ثم تطوَّرت لتشملَ العديد من التطبيقات الحديثة، ومع كثرة استخدامها، والاعتماد عليها من قِبل الناس، لاحَظ العديد من المُبرمجين نقصَها عن توصيل الرسالة بالشكل المطلوب بين المرسِل والمستقبِل؛ إذ تصل بلغة خالية من إحساس المرسِل، ولا تُعَبِّرُ عن حالته الشعوريَّة أثناء عمليَّة التواصل، فبدأ حينها ابتكارُ وسائل لتوصيل المشاعر من خلال تلك الرسائل، ولعلَّ من أولى تلك الوسائل تعبيراتِ الوجوهِ عبر صور الإيموجي، كما في الصورة التالية، والتي تعطي انطباعًا لمستقبِل الرسالة عن مشاعرِ المرسِل ما بين (فرح، غضب، إرهاق، ارتياح، عبوس، حياء... إلخ).









ثم تلتْها مرحلةٌ أخرى تطوَّرَتْ فيها تلك الوجوهُ لتصبح أكثرَ تعبيرًا، مثل الصورة التالية:


ونلاحظ مثلًا في الصورة التالية مدى تطوُّر تلك الرموز لتستوعبَ ثقافاتٍ متعددةً، وتتعايش مع اختلاف الناس في ألوانهم وأجناسهم، وتوظيفها بما يعطي المرسِلَ إمكانيَّةً أكبر في توضيح رسالته.

وما زال سباق المصمِّمين والمبرمِجِين متسارعًا من أجل تضمين أكبر قدر من الرموز؛ لتكون أكثر تعبيرًا عن ثقافة معيَّنة أو مجتمع معين، كما في الصورة التالية:


ولا شك في أن المتابعَ يلاحظ تنافُسَ وسائل التواصل الاجتماعيِّ والبرامج الحديثة في هذا الموضوع؛ حتى أصبحت بعض الشركات الكبرى تحدِّث إصدارات برامجها من أجل إضافة بعض الرموز لبرامجها.

لقد أصبحت هذه الرموز بمثابة لغة جسد افتراضيَّة تؤدِّي ما كانت تؤديه لغةُ الجسد في التواصل المباشر وجهًا لوجه، ومن هنا زاد الاهتمام بها، وعلى سبيل المثال تجد من الشائع استخدام:
♦ رمز الورود: للتعبير عن الامتنان.
♦ رمز القُبلة: للتعبير عن المحبة.
♦ رمز القلوب: للتعبير عن عمق الحب.

وهنا نذكِّر ببعضِ الآداب التي ينبغي مراعاتها أثناء التواصل بلغة الجسد الافتراضيَّة أثناء استخدامنا لها؛ لنستثمرها بشكل أفضل:
1 - من عَلِمَ أن كلامَه من عملِه، قلَّ كلامُه:
هي عبارة جميلة لبعض السلف تعبِّر عن قيمة الكلمة وأثرها، فلا تحسب أن هذه الكلمةَ التي تطلقُها، أو الرمزَ الذي ترسلُه - يذهبُ هباءً، بل هو من عملك إنْ حسنًا فحسنٌ، وإن سيئًا فسيئٌ، وفي سورة الزلزلة بيانُ ذلك بوضوح.

2 - للوالدين لغة خاصة:
برُّ الوالدين فريضة، وآداب الحديث معهما أعلى درجةً من غيرهما؛ ولذلك تجنَّبِ استخدامَ الرموز التي تتجنَّبُ ما تعبِّرُ عنه في الحقيقة، مثل الوجه العبوس، ومثل الهروب... وغيرها، مما يترفَّع عنه الابنُ البار في سلوكه مع والديه، ولْتَكُن لغتُك الافتراضيَّة معهما وفقَ أَلْطَفِ إشارةٍ وأجملِ رمزٍ.

3 - لا تستعجلْ في الردِّ:
في أحيانٍ كثيرة تأتيك رسائل مزعجة، وقد تكون من أشخاص لا تحبهم، وربما كانت حالتُك المزاجيَّة غيرَ معتدلة، فترد عليها بِرَدٍّ، وتُرفِقُ معها رموزًا تندَمُ عليها فيما بعد.
وقد تكتشفُ فيما بعد أنك لم تقرأ رسائلَهم بشكلٍ صحيحٍ، أو لم تفهمها بالشكل الذي أرادوه؛ ولهذا تندمُ على تعجُّلكَ في الردِّ، وقد يكون ردُّكَ ذلك سببًا في خسارتك للآخرين!
ولذا؛ فحاول دائمًا أن تؤجل ردَّكَ إذا لم تكُنْ واثقًا فيه حتى وقت آخر.

4 - الاعتذار من شيم الكرام:
إذا حدَث أن أخطأتَ في حقِّ أحدِهم، فبادرْ بالاعتذار، ولا تتأخر، وبيِّن له وجهة نظرك، وسبب سوء فهمك.
وإذا أخطأتَ علانية "في قروب" فاعتذر علانية، ولا تكن ممن يخطئ علانية ويتوب سرًّا!

5 - لا تسرف في مشاعرك:
بعض الناس يسرفُ في مشاعر الرضا، وقد يكيل المديح للآخرين، بسبب وبدون سبب، وهذا سلوكٌ غيرُ مقبول، ويستهجنُه الطرفُ الآخر، وقد يكون العكس أيضًا، فكنْ حريصًا دائمًا على التوسُّط والاقتصاد.

6 - أَتْقِنِ التواصلَ المكتوبَ:
ذكرتُ في مقالة سابقة عن التواصل الفعَّال كيفَ تتقنُ التواصل المكتوب، ومن أهم ذلك:
الوضوح - الإيجاز - تكامل المعلومات - تماسك المعلومات - الصدق - الكياسة.

7 - لست مجبرًا على الرد:
ليس بالضرورة أن تردَّ على كلِّ رسالة، ولا كلُّ خطأٍ تراه يراه غيرُك مثلَكَ، نعم هنالك أمورٌ وأخطاءٌ لا يجوزُ ولا يصحُّ السكوتُ عنها، لكنَّها أقلُّ القليل، وأما الكثرة الكاثرة، فهي مجرد آراء واجتهادات شخصيَّة، وأكثر منها مجرد رسائل قص ولصق، وصاحبها لم يقرأها أصلًا.

8 - تجنب الاستنزاف:
مشاركتُكَ في العديد من وسائل التواصل الاجتماعي، ومتابعتُك للكثيرين وجدالك معهم، والأخذ والردُّ - يستنزف طاقتَك، وينقلك من العناية بدائرة التأثير إلى دائرة الاهتمام، التي لا تملك أيَّ قدرة على تعديل أيٍّ من أحداثها؛ ولذلك إذا أردت أن تحافظَ على توازنِك العقلِيِّ وصحتك النفسيَّة، فقلِّلْ من متابعاتِكَ، واحذفِ الكثيرَ من تلك القروبات التي تتابعُها، وتذكَّر أن طاقتَك اليوميَّة محدودة؛ فإذا استنزفتها فيما لا ينفعك، أضَعْتَ ما ينفعك، وقد قيل: ما رأيتُ إسرافًا إلا بجواره حقٌّ مضيَّع!

9 - كونوا مع الصادقين:
هذا لا بد من أن يكون شعارَنا في الحياة وفي وسائل التواصل الاجتماعي؛ قال ربُّنا تبارك وتعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ ﴾ [التوبة: 119]، وكيف يكون مع الصادقين من تطغى عليه المجاملاتُ أو شنُّ الغارات وتغليطُ الآخرين بحثًا عن انتصارات وهميَّة؟

10 - لا تكن بُوقًا للآخرين:
بعضُ الناس حين تتابعُه تجده لا يعدو أن يكون بُوقًا للآخرين، وهذه مشكلة كبيرة وخللٌ في نمو الشخصيَّة حين يكون الإنسان مجرد ظلٍّ تابع للآخرين، وهذا النمطُ تراه كثيرًا في أتباع المشاهير، ويحتاج مثل هذا إلى الوقوف، وإلى جلسة مكاشفة مع نفسه؛ ليحدد أهدافَه الخاصَّة، ثم يبني خطة حياته وفق احتياجاتِه، لا وفق رغبات الآخرين.

11 - لا تقاتلْ في معركة لا تخصُّكَ:
حينما تجدُ شخصًا تحبُّه في جدالٍ مع آخر، فأمامك أحدُ أمرين: أفضلهما أن تكون ساعيًا بالإصلاح بينهما، والثاني: أن تنسحبَ بصمتٍ وتُعْرِضَ عن خلافهما تمامًا، أما أن تُجنِّد نفسكَ للوقوف في صفِّ أحدِهما وتنصُره بالباطل، فهذه من خِدْمَاتِك المجانيَّةِ للشيطان!

وقد يصطلحان ويتصافيان، ثم تكونُ كما قيل:
كم صاحبٍ عاديتَه في صاحبٍ ♦♦♦ فتَصَالَحَا وبقيتَ في الأعداءِ

12 - أعطِ كلَّ ذي حقٍّ حقَّه:
استخدامُك لوسائل التواصل يجب أن يكون منظمًا ومحددًا، فتذكر أن وقت النوم للنوم، ووقت الأكل للأكل، ووقت الجلوس مع الآخرين لهم، ووقت العبادة لها، أعطِ كلَّ ذي حقٍّ حقَّه ووقْتَه، ولا تنشغل بالتواصل الافتراضيِّ وتغفل عن تواصلك الحقيقيِّ لدنياك وأخراك.

13 - فَرِّقْ بين الوسيلةِ والغاية:
تذكَّر أن وسائل التواصل الاجتماعيِّ مجرد وسائل لتحقيق غاية، فلا تقلبِ المسألة وتحوِّلها إلى غاية!

14 - تَرْبَحُ ونَرْبَحُ:
العلاقاتُ بين الناسِ قائمةٌ على الربح والخسارة، والشَّحيح من لا يريد أن يَرْبَحَ أحدٌ غيره، والسخيُّ من يريد أن يربح الآخرون معه، فكن سخيًّا دومًا... لكن لا تكن مغفَّلًا ولا مستسلمًا.

15 - من لزم شيئًا عُرِفَ به:
هذه حقيقة، وحينما تكون دائمًا معترضًا وساخطًا وناقمًا، فلا تتوقَّع أن يراك الناس بغير هذه الصورةِ التي تلزمها دائمًا أثناء تواصلك معهم، وقد يسلكُ بعضُ الشباب سلوكًا متعجلًا أثناءَ استخدامِهم وسائلَ التواصل الاجتماعي، فتُحسب عليهم بعد سنواتٍ طِوالٍ، خاصة مع تطوُّر تقنية الأرشفة والبحث، حيث أصبحت الشبكة العنكبوتيَّة حافلةً بتاريخ الأشخاصِ القديمِ؛ مما قد يحسب عليهم سلبًا بعض أخطائهم القديمة في التواصل مع الآخرين.

تذكَّر دائمًا أن التواصلَ مهارةٌ ينمِّيها الإنسانُ مع مرور الأيام، وبكثرة التجارب التي يمرُّ فيها، فليس من المعقولِ أن تبقى جامدًا على أسلوبِكَ القديم في التواصلِ، ولكن تَمَرَّنْ دومًا على تعديلِه؛ للرُّقِيِّ بلغتِكَ، والتهذيبِ لسلوكِكَ، والله الموفق.


رابط الموضوع: http://www.alukah.net/social/0/115645/#ixzz4hB38XDZ9
أكمل القراءه

قواعد في توجيه وإرشاد الشباب

قواعد في توجيه وإرشاد الشباب

قواعد في توجيه وإرشاد الشباب

يعاني العديدُ من شبابِنا اليوم من مشكلاتٍ كثيرة، ومع أن المشكلة قائمة بالدرجة الأولى على طبيعة الحياة المدنية المعاصرة، التي تقوم في جانبٍ كبير منها على إفرازات العولمة، وعلى قضايا الصراع الحضاري والمدافعة بين الأمم - فإننا لا بد من أن نسهم على المستوى الفردي، سواء كنا مختصين في علم النفس من خلال التوجيه والإرشاد، أم مربِّين من خلال التنشئة الاجتماعية والقدوة الحسنة؛ لنساعد في تجاوز أبنائنا تلك المشكلات، التي قد يعاني منها بعض الشباب، وقد تتطور عند بعضهم لتصبح سببًا في المرض النفسي.

وحتى نسهم في استقرار الشباب النفسي في وقت مبكر، ولنجنبهم تجارب المحاولة والخطأ التي ربما يمرُّ بها بعضهم، وتعد هذه من أولويات مهام التوجيه والإرشاد النفسي التي نهتم بها كمختصين في الجانب الوقائي، قبل أن نحتاج إلى الجانب العلاجي، وَدِرْهَمُ وقايةٍ خيرٌ من قنطارِ علاجٍ، ولنركز في توجيه الشباب وتعليم الأسر وتثقيفهم على العناية بالجوانب التالية، بشكل مستمر، من خلال ممارستهم لعملية التنشئة لأبنائهم:
1- اعرف نفسَك جيدًا: ذلك بمساعدة الشاب لمعرفة نفسه والاستبصار فيها، ولعل هذه أولى دعائم الصحة النفسية، قال تعالى: ﴿ وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ ﴾ [الذاريات: 21]، ونحن من خلال ممارساتِنا في التوجيه والإرشاد، نجد كثيرًا من المشكلات التي يعاني منها كثيرٌ من الناس - إنما تأتي من جهلهم بحقيقتِهم وحقيقة الآخرين، وكثيرٌ من المشكلات النفسية لدى الناشئة تعبِّر عن ذوبانٍ تامٍّ في  الآخرين، أو رفضٍ تام لهم.

2- كن أنت نفسَك، ولا تقلِّدْ غيرَك، وركزْ على جوانب قوتك، فأنت لم تُخلق عبثًا، ولا لتكون صورةً من إنسان آخر، وإنما أعطاك ما أعطى الآخرين من مواهب؛ لتبني ملامح شخصية مستقلة ومفيدة، وتذكَّر قول النبي صلى الله عليه وسلم: ((المؤمنُ القويُّ خيرٌ وأحبُّ إلى اللَّهِ منَ المؤمنِ الضَّعيفِ، وفي كلٍّ خيرٌ، احرِص على ما ينفعُكَ، واستَعِنْ باللَّهِ ولا تَعجِزْ، وإن أصابَكَ شيءٌ، فلا تقُل: لو أني فعلتُ كان كذا  وَكَذا، ولَكِن قل: قدَرُ اللَّهِ، وما شاءَ فعلَ، فإنَّ "لو" تَفتحُ عملَ الشَّيطانِ))؛ رواه مسلم.

3- اشتركْ في أنشطة اجتماعية مفيدة، وأَسْهِمْ في الأعمالِ التطوعيةِ؛ لتكتسب ثقة بنفسك، ولتشعر بأن لك قيمةً في الحياة، قال النبي صلى الله عليه وسلم: ((أحَبُّ الناسِ إلى اللهِ أنْفعُهُمْ للناس، وأَحَبُّ الأعمالِ إلى اللهِ عزَّ وجلَّ سُرُورٌ تُدخِلُهُ على مُسلِمٍ، أو تَكشِفُ عنهُ كُربةً، أو تَقضِي عنهُ دَيْنًا، أو تَطْرُدُ عنهُ جُوعًا، ولَأَنْ أمْشِيَ مع أخِي المسلمِ في حاجةٍ أحَبُّ إليَّ من أنْ أعتكِفَ في المسجدِ شهْرًا،  ومَنْ كفَّ غضَبَهُ، سَتَرَ اللهُ عوْرَتَهُ، ومَنْ كظَمَ غيْظًا، ولوْ شاءَ أنْ يُمضِيَهُ أمْضَاهُ، مَلأَ اللهُ قلْبَهُ رضًا يومَ القيامةِ، ومَنْ مَشَى مع أخيهِ المسلمِ في حاجَتِه حتى يُثْبِتَها لهُ، أثْبتَ اللهُ تعالَى قدَمَه يومَ تَزِلُّ الأقْدامُ، وإنَّ سُوءَ الخُلُقِ لَيُفسِدُ العملَ، كَما يُفسِدُ الخَلُّ العَسَلَ))؛ صحيح الجامع.

ومما يتفق عليه المختصون النفسيون أن من أهم العوامل المساعدة في علاج عدد من المشكلات النفسية - المشاركةَ في الأعمال التطوعية، التي تحدد لها أنشطة وساعات ضمن خطة العلاج النفسي، التي تصمم لعددٍ من أنواع العلاج النفسي في بعض الحالات.

4- وجود الأصدقاء مهم، ونوعيتهم أهم، وطريقة انتقائك لهم ستحدد مصيرك في الدنيا والآخرة؛ فَمَنْ صاحبَ الناجحين نجح، ومن صاحب المدمنين أدمن، قال تعالى في وصفٍ لمشهد الأصدقاء السيئين في الآخرة:﴿ وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا * يَا وَيْلَتَى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلَانًا خَلِيلًا * لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءَنِي وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلْإِنْسَانِ خَذُولًا ﴾ [الفرقان: 27 - 299].

ومن الأصدقاء الجدد في عصر العولمة أولئك الأصدقاءُ الافتراضيون الذين يصاحبهم الشاب أوقاتًا طويلة من خلال وسائل الإعلام وقنوات البث الفضائي، ومن خلال الشبكة العنكبوتية، والذين يوجهون سلوكه، ويصوغون هويته بقوة أكثرَ تأثيرًا من أسرته ومدرسته، ويصدق عليهم وصفُ "الخليل" الذي نبَّهنا إليه النبي صلى الله عليه وسلم: ((المرءُ على دينِ خليلهِ، فلينظُرْ أحدُكُم من يُخالِل))؛ البغوي في شرح السنة.

ويشهد لهذا سلوكُ الشباب التكفيريين في الآونة الأخيرة، الذين يُعرفون بالداعشيين، وقل مثل ذلك في الملحدين، فهنالك عددٌ كبيرٌ منهم تم تجنيدهم وتغيير قناعاتهم من خلال برامج التواصل الإلكتروني والشبكة العنكبوتية، وربما كان جزءًا من علاج مشكلتهم في الخطوة التالية.

5- تعلُّم التفكر وممارسته دائمًا يساعد الشاب على تجاوز أزماته؛ فالتفكر من العبادات التي تساعد الإنسان في نموِّه الخلقي، وتصحيح أفكاره واتجاهاته ومساره، وهي من الصفات التي مدحَها اللهُ سبحانه وتعالى، وتعدُّ من أَجَلِّ العبادات؛ لما تحققه من كمال الإيمان بالله تبارك وتعالى، كما قال عز وجلَّ: ﴿ إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ * الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ ﴾ [آل عمران: 190، 1911]، ومن صفات النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان كثيرَ الصمت، دائمَ الفكر، والتفكر يعطي الشاب ما يشبه "جرد حساب"؛ ليعيد تأمُّل سلوكه وتصرفاته، ويعيد تنظيم بنائه المعرفي مرةً بعد أخرى، وكثيرًا ما يُستخدم هذا الأسلوبُ من خلال العلاج السلوكي المعرفي.

6- المحافظة على الحياة المتوازنة: من خصائصِ الشبابِ الحماسُ وسرعة الاندفاع، فإذا أحب شيئًا صرف كلَّ وقته وجهده فيه؛ مما قد يسبب له ارتباكًا ينتج عنه خلل في جوانب حياته الأخرى، فلا بد هنا من أن يتعلم الشاب كيف يوازن بين حاجاته وإمكاناته، وبين طموحاته وواقعه، كما ينبغي أن يعتني بنمط حياة صحي، ينظم فيه نوع غذائه وأنشطته البدنية، وهواياته وواجباته المتوقَّعة منه؛ ونحتاج إلى  تدريب مستمر لاكتساب التوازن في حياتنا من خلال التخطيط والتدريب، وقد جاء في الحديث: ((إِنَّ المُنْبَتَّ لا ظَهْرًا أَبْقَى، ولا أَرْضًا قَطَع))، والمنبت: المندفع المستعجل.

7- تعلم حل المشكلات بطريقة صحيحة: فالأسلوب العلمي لحلِّ المشكلات هو الأسلوب الوحيد لحلها حلًّا واقعيًّا سليمًا؛ لأنه أسلوبٌ يقتضي الروية والتفكير، والنظر إلى المشكلة من جميع نواحيها السارة وغير السارة، ووزنها وتحليلها، هذا إلى أنه أسلوب موضوعي، يتطلب أن يسترشد الإنسان أولًا بالواقع والمشاهدات الموضوعية، لا بحالته الذاتية ومخاوفه وشكوكه.
أما الأسلوب غير العلمي، فقد يخفي المشكلة في الظاهر لتعود شرًّا مما كانت عليه، أو لتتمخض عن مشكلات أخرى؛ لذا حاول أن تحسم مشكلاتك فور ظهورها.

8- أتقن عملك: من سمات الشبابِ تشتتُ أفكارِهم، وضياعُ جهودِهم دونَ إنجازٍ حقيقي، فلا تحاول إنجازَ ثلاثةِ أمورٍ في وقت واحد؛ لأن هذا يعني قصورَك عن إتقان أي واحد منها، ولو كان شعارُك: "الكيف قبل الكم"، لكان خيرًا وأبقى؛ ففي الإتقان أمانة وشعور بالنجاح والفوز، وهذا أفضل سبيل إلى زيادة الثقة بالنفس، والإتقان لا يعني الإسراف في العمل؛ حتى لا يتحول إلى حيلة دفاعية للتخلص من القلق.

9- ركز جهودَك في الحاضر، ولا تكثر من التحسر على الماضي، ولا التوجس مما هو آتٍ؛ لأن الوقوع في شَرَكِ الحزن على الماضي يسوق إلى الاكتئاب، والوقوع في التوجس من المستقبل يقود إلى القلق، وكان من دعاء النبي صلى الله عليه وسلم: ((اللَّهُمَّ إنِّي أعوذُ بِكَ مِنَ الهمِّ والحَزَنِ... )؛ رواه البخاري.

10- تعلم الاستفادة مِنْ خبراتِ مَنْ سبقَكَ: وذلك من خلال تدريب الشباب وتلقينهم على الاستفادة من تجارب من سبقهم؛ حتى لا يكرروا أخطاءهم، ويجب أن يعرف الشاب أن من أهم ميزات الإنسان أن يتعلم من خبرات من سبقه، ويتجنب أسلوبَ المحاولة والخطأ الذي يقوده في كثير من الأحيان إلى تجارب مؤلمة تبقى معه طَوالَ حياته.


                                                                                             كتبه

                                                                                  خالد بن محمد الشهري
أكمل القراءه

معايير السلامة النفسية

معايير السلامة النفسية


نتيجة بحث الصور عن قبول الذات

اهتمَّ علم النَّفس في الفترات الماضية بدراسة المشكلات النفسيَّة، وتصنيف الأمراض النفسية.
وكانت الأبحاث والدراسات تسجل كل ما يُعد انحرافًا عن السواء؛ بل كان هنالك فرع كامل يسمى علم نفس الشواذ، يُعنى بدراسة الانحرافات النفسيَّة، التي تخالف ما سُمي بالسواء النفسي، الذي لم يكن واضح المعالم إلَّا فيما يتعلَّق بأنه السلوك الشائع اجتماعيًّا والمقبول والمتعارف عليه من الغالبيَّة بأنه السلوك السوي؛ ومضى علم النَّفس على هذا طَوالَ العقود الماضية.

لكن هذه المفاهيم تغيَّرَت كثيرًا في الفترة الأخيرة، وظهرَت اتِّجاهات عديدة عُرف بعضها بعلم النفس الإيجابي، والتي تبحث في عوامل وأسباب الشعور بالارتياح في الحياة، وكيف يمكن للإنسان أن يحقِّق أقصى استفادة لتحقيق عوامل السلامة النفسية.

ومعنى هذا أننا انتقلنا من البحث عن الأمراض النفسيَّة والعِلل السلوكيَّة لتجنبها، وأخذنا في التركيز على أصول السَّلامة النفسيَّة لتعزيزها، ونتيجة لهذا فسنتجنَّب الوقوع في الأمراض النفسية بتركيزنا على الجانب الإيجابي من الحياة.

وتعدُّ هذه من أكبر ميزات عِلم النفس الإيجابي؛ أنْ قام بنَقل طريقة التفكير والحياة من الجانب المرَضي إلى الجانب الإيجابي في الحياة، الذي يساعدنا على الاستمتاع بالحياة، والاستفادةِ منها كفرصة، بما يساعدنا على تَحقيق الصحَّة العامة والسعادة.

ومقتضى هذا أن يتمَّ التركيز على جميع جوانب الحياة وأبعادِ الشخصية (الاجتماعية - والجسدية - والنفسيَّة - والعقلية)، كما يتم توظيف الجوانب البيئيَّة بما يخدم توازنها وتناغمها.

وقد حدَّد بعض الباحثين ستة معايير لتحقيق السلامة النفسيَّة، وهي كالتالي:
١ - قَبول الذَّات: ويعني أن تتبنَّى توجهًا إيجابيًّا حول ذاتك، وتتقبَّلها كما هي، وتقدِّر مواطن القوة لديك، وتعترف بمواطن الضعف، وتتقبَّل تجارِبك السابقة، وتستفيد منها دون أن يتسلَّط عليك لوم الذات.

٢ - العلاقات الإيجابية: وتعني قدرتك على تكوين علاقات ودِّية قائمة على الثِّقة، والقدرة على التعاطف مع الآخرين، ومراعاة سلامة الآخرين.

٣ - الاستقلالية: وتعني أن يدير المرءُ حياته وَفق قِيَمه وقراراته، وليس استجابة لضغوط الآخرين.

٤ - الإحساس بالهدف: الإنسان الذي لديه إحساس بهدَفه يعني أنَّ له هدفًا واضحًا وقِيمًا يعيش لتحقيقها؛ ونتيجة لذلك يَشعر بأن لحياته معنًى وأسبابًا يعيش من أجلها.

٥ - تنمية الذات: الإنسان الذي يَعيش تجربة التنمية الذاتيَّة هو شخص يهتم بالحياة والتعلُّم، ويريد أن ينمو ويتطوَّر، وهو منفتِح على تجارب جديدة في الحياة، ويعمل دائمًا على التحسُّن في سلوكه ومهاراته، ومعارفه وتوجُّهاته.

٦ - تعديل البيئة: وفيه يشعر الإنسان بالتوافق مع البيئة مِن حوله، ويسعى لتعديلها بما يتوافَق مع أهدافه وقِيَمه، ويتكيَّف معها بشكل مناسب.

وكلَّما استطاع الإنسان أن يحقِّق هذه المعايير، اقترب أكثر من تَحقيق السعادة والطُّمأنينة النفسيَّة؛ إذ لا يمكن أن تنسب تحقيق السعادة إلى جانبٍ واحد؛ بل هو نتيجة تضافر عدد من المكونات؛ منها أن يعرف الإنسان قيمتَه، ولماذا يعيش.

وكيف يتعامل مع ما حوله من مكونات اجتماعيَّة أو بيئية..
وكيف يعمل على الرقيِّ بذاته، والزيادة في كمالاته وخبراته..
وشعوره بأنَّه صاحب قرار، وليس تابعًا ذليلًا لغيره..

وغني عن الذِّكر أنَّ أكمل إنسان يمكن أن يُستفاد منه لتحقيق كل ذلك، وما هو أعلى منه من الكمالات الإنسانيَّة - هو نبيُّنا صلى الله عليه وسلم.


رابط الموضوع: http://www.alukah.net/social/0/105397/#ixzz4ElbwWNsu
أكمل القراءه
 
بوح قلمي ،،، أبو بكر بن محمد | by TNB ©2010 وتم تعريب القالب بواسطة مدونة نصائح للمدونين .